هذه بعض منافع السرد القصصي للأطفال، وهي لا تقتصر على ذلك بطبيعة الحال. فقراءة القصص للطفل تساعده في سن مبكرة على تطوير مهاراته التواصلية وإثراء قاموسه اللغوي. فقد أثبتت الدراسات أن القراءة اليومية للطفل، بدءاً من مرحلة الطفولة المبكرة، تُساعد على اكتساب اللغة ومهارات القراءة والكتابة، وذلك لأن القراءة للطفل في الأشهر الأولى تُحفز جزءاً من الدماغ يسمح له بفهم معنى اللغة، كما أن القراءة للطفل تعد إحدى أكثر الطرق فاعلية في بناء الروابط العصبية "اللغوية" في دماغه المتنامي، وكذلك بناء قاعدة قوية لتطوره المعرفي.
ومن هذه الدراسات ما نشرته مجلة طب الأطفال الصادرة عن الجمعية الطبية الأمريكية عام 2019، وتضمنت صوراً للتصوير بالرنين المغناطيسي لأدمغة مجموعة من الأطفال دون سن الخامسة، تبين أن أولئك الذين تمت القراءة لهم بشكل مباشر، بعيداً عن عادة النظر إلى شاشات الحواسيب والأجهزة اللوحية، قد ارتفعت عندهم المادة البيضاء في الدماغ.
وكما هو معروف فإن هذه المادة تعمل على تعزيز الاتصال بين خلايا الدماغ وبقية الجهاز العصبي، الأمر الذي يدل على تنشيط عمل الدماغ. وعلى العكس فقد رصدت الدراسة وجود ضرر في المناطق المسؤولة عن اللغة ومهارات القراءة والكتابة في المخ لدى الأطفال الذين تعودوا قضاء معظم وقتهم أمام الأجهزة الإلكترونية أو مشاهدة التلفاز.
بالإضافة إلى فحوص الدماغ، تم إجراء اختبارات معرفية على الأطفال كانت نتيجتها أن الأطفال الذين استخدموا الشاشات أكثر من ساعة واحدة في اليوم لديهم قدرة أقل على استخدام اللغة التعبيرية، وقدرة أقل على تسمية الأشياء بسرعة، في المقابل سجل الأطفال الذين يقرؤون ويستمعون إلى القصص بشكل متكرر درجات أعلى في الاختبارات المعرفية.
من جانبه أكد جون هوتون، وهو طبيب أطفال وباحث سريري في مستشفى سينسيناتي للأطفال بولاية أوهايو الأمريكية، أنه "ورغم أن الدماغ يمكن أن يتغير ويتعلم في جميع الأعمار، فإنه أكثر كفاءة في السنوات الخمس الأولى، وهذا هو السبب في أن تجارب الطفولة المبكرة مهمة للغاية".
ويشير هوتون إلى أن "القراءة هي الطريقة المثلى لتوسيع مفرداتهم، إذ يلتقط الطفل كلمات جديدة عندما يسمعها وتصبح ضمن قاموسه اللغوي، وإذا لم يفهم كلمة ما سيطلب على الأرجح تفسيراً لها".
كما تساعد القراءة بشكل ملحوظ على تطوير الجانب المعرفي للطفل. ويقصد بالجانب المعرفي، بحسب الخبراء، القدرة على التفكير والفهم، وتطوير قدرات التذكر وحل المشكلات واتخاذ القرارات.
من جانب آخر تساهم القصة في غرس القيم وتعديل السلوك بعيداً عن الوعظ المباشر الذي يكون عادة ثقيلاً على الأطفال. فعلى سبيل المثال لا يحب الطفل عادة تنظيف أسنانه، وهنا يمكن للأم بعيداً عن التوجيه المباشر إلى فعل التنظيف، القيام بسرد قصص تحض على جمال نظافة الأسنان، أو تخوّف من مآلات عدم الاهتمام بها.
ومن المهم الإشارة هنا إلى أن للقصص دوراً محورياً في تعليم المعاني المجردة للأطفال مثل الصدق، والإخلاص، والعدل، والتفاؤل. هذه المعاني يصعب جداً على الطفل إدراك صورتها المجردة من خلال التلقين المباشر، وعندها تكون القصة هي الطريقة المثلى لتعليم الطفل هذه المعاني الأخلاقية. فغالبيتنا، على سبيل المثال، يذكر كيف تعرف هذه المعاني من خلال قصص كليلة ودمنة.
مقال مقتطف من موقع
TRT عربي


