الاستماع والانصات الى مشاعر أطفالنا هو سلوك يخفق فيه أغلبنا.. لأننا لا نمتلك مع الأسف الوعي الكامل بأهمية هذا الاستماع وبضرورة أن يصبح السلوك الطاغي في تعاملنا مع أطفالنا عوض أسلوب الزجر والنهي.
من أقوى الأشياء التي نشتاق إليها، نحن الكبار والصغار على حد سواء، هي أن يفهمنا شخص نحبه. فهذه الحاجة إلى الفهم هي جزء من بشريتنا. وعندما يتم الاعتراف بمشاعرنا، نتأكد بأننا لسنا وحدنا.
هذا الفهم يساعد على تنمية العقل والوعي الذاتي للطفل الصغير. عندما يستطيع أولئك الذين يهتمون به أن يعكسوا ما يمر به من حالة نفسية، فإنه يتعلم التعرف على عواطفه وعلى إدارتها، والتكيف مع عالمه الاجتماعي المعقد الذي يحيط به.
عندما يحس كل واحد منا بأن مشاعره مفهومة من طرف المحيطين بنا، فإن هذا الشعور بالفهم يمثل لنا تجربة إيجابية للغاية.
أليس كذلك؟
إذا فاعلم بأنه بهذه الطريقة أيضا يتطور وعي الطفل الصغير بذاته. فالمشاكل اليومية (النوم، البكاء، القلق، الغضب، إلخ) هي قبل كل شيء تعبير عن عاطفة لا يستطيع الطفل تنظيمها وإدارتها..
فعندما يستمع الكبير الى مشاعر الصغير ويتعاطف معه، ويستوعب وجهة نظره دون أن يظهر له ضيقه أو قلقه، فإنه يساعده على فهم ما يعيشه من مشاعر متقلبة.
ومن خلال هذا السلوك يكتسب الطفل تدريجيا القدرة على إدارة مشاعره بدلا من أن يتركها تطغى عليه، والقدرة على تحمل حالات الإحباط، والقدرة كذلك على التحكم في انفعالاته.
عندما نستمع للطفل استماعا حقيقيا ونقدم له الرعاية المناسبة، فإن أغلب الحالات التي نحس بانها أصبحت مغلقة ومسدودة تجد طريقها الى الحل..
فكما نحمل الطفل جسديا بين أيدينا، يجب علينا أن نتعلم كيف «نحمله نفسيا»، أن نتعلم فهم الدوافع العميقة لسلوكه في مناخ من التعاطف والإحسان، ومع تقديم إطار يحتوي مشاعره ويهدئها. فكلما كان الطفل صغيرا، كانت مشاعره أكثر حيوية وأكثر شدة وتفيض أحيانا بشكل لافت للنظر، أو غير مفهوم..
الطفل الصغير لا يتكلم، ولكنه يعيش كل تلك المشاعر المتقلبة داخله بنوع من الشدة والقوة، دون أن يكون دائما قادرا على احتوائها أو التعبير عنها أو حتى فهمها من باب أولى. لماذا ؟
لأن دماغ الطفل الأيسر، والذي هو المسؤول الأول عن اللغة والمنطق، لم يأخذ بعد مقود القيادة والسيطرة. بينما الدماغ الأيمن، وهو دماغ التأثيرات والعواطف، هو الذي يسيطر إلى حد كبير عند الطفل الصغير.
فمن خلال هذا الدماغ الأيمن، يسعى الأطفال إلى فهم العالم الذي يحيط بهم، ويمكننا اعتبارهم خبراء في تلقي العواطف التي يتشبعون بها من بيئتهم مثل الإسفنج الذي يمتص الماء.
إذا فهمنا هذا الأمر فإننا سنفهم جيدا لماذا يجب علينا حمل طفل نفسيا، ومراعاة ما يعتبر مهارة كبيرة وضعفا شديدا في نفس الوقت، أي مهارة السباحة في هذا الحمام العاطفي دون الغرق فيه، والذي يمثل بالنسبة للطفل غذاء أساسيا وضروريا.
ودعونا نواجه الأمر بكل صراحة ووضوح: يحتاج الطفل، ومعه كل إنسان، إلى هذا الإدراك باحتياجه العاطفي حتى قبل أن ندرك احتياجاته الكلاسيكية الأخرى، الطعام على وجه الخصوص والنوم مثلا.
هذا الاعتراف الأولي، والذي يمر إلى حد كبير من خلال النظرة التي نلقيها على الطفل، يسمح له بأن يشعر بعالمه الداخلي وتأثيراته الخاصة، «كحقيقة» يعيشها، وليس كسلوك سلبي يجب كبته أو علاجه..
إذا أزعجك سلوك أو تصرف معين من طفلك، ففكر أولا في حمله نفسيا، وسترى النتيجة الإيجابية لذلك.. فكثير من الاولياء الذين يتصلون بي، والكثير من القراء أيضا، يركزون دائما على «ما يجب فعله» مع الطفل، بينما أحاول أنا أن أركز على «كيف يجب أن تكون» مع طفلك.
أكثر ما يحتاجه طفلك هو الاعتراف بتجربته وإظهار التعاطف معه ومساعدته على احتواء مشاعره القوية. بغض النظر عن مدى ضعفه أو مدى غرابة سلوكه، فنادرا ما يكون هذا الضعف أو هذا السلوك علامة على «وجود خطأ ما به يجب إصلاحه». بل هي تشكل مجموعة فريدة من الصعوبات التي يجب أن يتدرب على مواجهتها، ولم لا استخدامها كركيزة من أجل أن ينمو ويتطور الى الأفضل.
وللحديث بقية، لنجيب كالعادة على سؤال : كيف ؟ .... كيف تحمل طفلك نفسيا ؟
دمتم في كامل الصحة والعافية
مقال للدكتور الحبيب العفاس (11 جوان 2022)