تُظهر الأبحاث الحالية في علم نفس النمو وعلم الأعصاب أنه عندما نضع أنفسنا مكان الطفل لنحاول أن نفهم تجربته هو، ومن وجهة نظره هو، فإننا بذلك نساعده على تنظيم عواطفه وإدارتها وعلى حل المشكلات التي تعترضه، وعلى التكيف مع عالم اجتماعي معقد.
وهو المقصود من «حمل الطفل نفسيا».
تخيل المشهد التالي، والذي يحدث عادة داخل كل أسرة تقريبا بها طفل صغير.
يجلس سليم على كرسيه المرتفع على مائدة العشاء.. وأثناء الأكل يطلب أن يشرب من كوبه الأحمر المفضل. لكنك تدركين في هذه اللحظة أنك نسيته في مكان ما خارج البيت، فتقومي بإعطائه مكانه كوبا آخر أزرق اللون.
يأخذ سليم الكوب الأزرق ويلقي به بشدة على الأرض ويبدأ بالصراخ.
كيف تجعلين من هذه اللحظة فرصة له ليتعلم كيف يدير مشاعر الإحباط لديه، بدلا من أن ينفجر بالصراخ، وقد يزداد غضبه وصراخه أكثر فأكثر، وقد ينتهي بك الأمر أنت كذلك بالصراخ في وجهه (مما قد يدل على أنك أنت أيضا غير قادرة على إدارة مشاعرك)؟
أقترح عليكم تطبيق الاستراتيجية التالية وذلك باتباع 3 الخطوات التالية:
1. الخطوة الأولى:
إن حمل الطفل نفسيا يقتضي أولا وقبل كل شيء فهم سلوكه وذلك بربطه بمستوى نموه.
طفل في عمر سليم يبدأ للتو في تجربة الشعور بنفسه ككيان منفصل عنك، ويدرك في نفس الوقت مدى صغر حجمه وعجزه. فمن المهم للأطفال الصغار أن يجدوا أرضية، مهما كانت هذه الأرضية، تمكنهم من الشعور بالتحكم في ذاتهم، حتى لو كان ذلك بطلب هذا الكوب أو ذاك. ويمكنك أن تتساءلي وكخطوة أولى: «لماذا يتصرف ابني بهذه الطريقة؟»
2. الخطوة الثانية هي التعاطف معه.
طريقة التعاطف هذه، والتي هي أكثر تعقيدا من الفهم الفكري (لماذا يتصرف بهذه الطريقة)، تتضمن في نفس الوقت أن تعرف ذهنيا وأن تشعر جسديا ما يشعر به ابنك. على المستوى المعرفي، قد تجد أنه من السخف أن يضع الطفل نفسه في مثل هذه الحالة الشعورية القصوى من أجل كوب أحمر. ولكن إذا كان لديك تعاطف مع مشاعر طفلك، فيمكنك الاعتراف بتجربته وعكسها له كما تعكس المرآة صورة ما، بطريقة تُظهر له بها أنك تعرفين ما يختلجه من مشاعر وتتفهمينها، إلا أن شعوره هو يختلف عن شعورك أنت. هذا الفهم التعاطفي للطفل سيساعده على امتلاك خبرته العاطفية وتنمية الوعي بتفكيره.
3. الخطوة الثالثة التي تقومين بها هي احتواء المشاعر الصعبة وإدارتها.
إن تبني سلوكا منضبطا يقبل مشاعر ابنك، ولكن في نفس الوقت يضع قيودا وتوجيها لسلوكه، سيسمح لطفلك بتعلم إدارة مشاعره الفياضة والصعبة. وبهذه الكيفية فإنه سيشعر بالأمان وكذلك بالحماية ضد شدة مشاعره ورغباته.
يمكنك التصرف كالتالي: تشرح لابنك بانك نسيت كوبه الأحمر في مكان ما، وبأن عليه الآن قبول الشرب في الكوب الأزرق الى حين أن تجدي كوبه المفضل. إن قبل ذلك وهدأ، تنتهي القصة عند هذا الحد..
أما إذا رفض ذلك وأعاد نفس التصرف بأن رمى الكوب الأزرق مرة ثانية، هنا يجب أن تساعديه على وضع حد لهذا التصرف بالأسلوب الذي شرحناه سابقا (في مقال: «ولكن كيف نتصرف مع السلوك غير اللائق لأبنائنا؟ وكيف نعاقبهم؟» 30 ماي 2022)، إما بالتوبيخ أو بالعقوبة مع احترام الثلاث قواعد الهامة التي تعرضت لها سابقا: (قاعدة أن موقف الوالد الذي يتحدث الأول هو الموقف الصحيح - قاعدة ثلاث مرات - قاعدة 60 ثانية).
ما لا يجب عليك فعله بتاتا، هو الجري الى المغازة وشراء كوب أحمر جديد له. لأن الفكرة هنا هي احتواء مشاعر الغضب والإحباط وليس التخلص منها.
فكرة أخيرة :
التحدي الأكبر هنا هو أن تنجحي في مساعدة طفلك في إدارة مشاعر الإحباط والغضب عنده والحيلولة دون أن تطغى عليه هذه المشاعر أو أن تغمره.
لتنجحي حقيقة في ذلك فإن هذا يتطلب منك أن تتمكني أنت أيضا من إدارة مشاعرك، حتى لا يمنعك ضيقك أو قلقك أو غضبك، من التواجد مع ابنك كليا في لحظات الضيق التي يمر بها. فمن الضروري أن تحسني أنت كذلك إدارة مشاعرك قبل الانتقال إلى الاستراتيجيات الأخرى التي سأعرضها في نشراتي المقبلة.
تذكروا دائما أن الممارسة تجعلنا لا ننسى ما تعلمناه.
دمتم في كامل الصحة والعافية
الدكتور الحبيب العفاس (12 جوان 2022)