يتمحورالغضب حول أربع نقاط أساسية
1. هناك غضب طبيعي
2. هناك غضب غير طبيعي
3. أهمية التفريق بين الشعور والسلوك
4. الغضب هو أيضا طريقة خاصة في التواصل
-----------------
الغضب الطبيعي :
-----------------
الغضب هو شعور عادي. يظهر عندما يشعر الطفل بعدم الرضا عن الحدث الذي يعيشه ويستخدمه الطفل تلقائيا للتعبير عن خلافه معنا، وعن أهمية احترام موقفه.
يتعرض الطفل بشكل طبيعي ومتكرر لهذا الشعور بعدم الرضا طوال فترة نموه. فمن الضروري أن يستكشف الطفل بيئته ويصنع لنفسه، أثناء نموه، تجارب جديدة. فكلما كبر الطفل، كلما زادت حاجته إلى الاستقلالية. وسيقوم المراهق باختبار الحدود التي يمكن أن يصل اليها حتى يتملكها.
المشكلة هنا هي أن الآباء يحاولون منع بعض هذه التجارب على أبنائهم. مثلا عندما يكون طفلهم في خطر أو عندما يتبنى سلوكا غير مقبول، أو عندما لا يمكنهم الاستجابة لأحد طلباته. لذلك فهم مضطرون لفرض كل ما هو ممنوع على الطفل القيام به، ويعبرون لهم عن رفضهم.. هذا الأمر قد يحبط أطفالهم ويؤدي بهم إلى الغضب.
إذا لا بد من الانتباه الى أنه لا يوجد أطفال لا يغضبون.. فهذا أمر مستحيل. وهو ما يحدث لنا نحن الكبار أيضا.. فنحن نشعر بالغضب أحيانا ونعبر عنه بطرق مختلفة. لذلك من المهم جدا عدم منع الأطفال من الغضب، ولكن علينا مساعدتهم على التعامل مع غضبهم بشكل متوازن وتدريبهم على إدارته من خلال تعليمهم بعض الآليات والاستراتيجيات التي نشرت بعضها في مقالي السابق.
------------------
الغضب غير الطبيعي :
----------------
من ناحية أخرى، يمكننا اعتبار أن الغضب أمر غير طبيعي في الحالات التالية:
- عندما يتكرر الغضب بطريقة ملفتة للنظر وغير عادية. ومع ذلك، يجب أن نكون حذرين في كيفية تقييمنا لهذا "التكرار". على سبيل المثال، فترة المراهقة هي الفترة التي يشعر فيها الطفل بالحاجة إلى الاستقلالية (الضرورية لنموه) وبالتالي فهو يرغب في تحقيق تجارب جديدة يرفضها الوالدان أحيانا. وبالتالي، قد يكون عدم الرضا بموقف الوالدين وعدم القناعة به هو الذي يتكرر، مما يؤدي إلى زيادة وتيرة الغضب.
- عندما يكون الغضب شديدا أو غير متناسب مع الوضع. مما قد يعبر عن رغبة لم يقع تلبيتها بعد وبقيت مكبوتة.. وهنا يجب أن ننتبه إلى نوعية التقييم الذي نقوم به نحن ككبار. لنأخذ مثال طفل يبلغ من العمر عامين، عندما يكون محبطا، فهو يضرب بيديه ورجليه أو يعض. من المؤكد أن غضبه شديد، لكننا نعلم في نفس الوقت أن وسائل التعبير عند طفل في هذا العمر محدودة جدا، كما أن تطوره الفسيولوجي يجعل من الصعب عليه إدارة عواطفه. هذا الامر يجعلنا نتفهم شدة العدوانية التي يسلكها. مع الإشارة أن التفهم لا يعني بالضرورة أنه مقبول.
- عندما يسبب الغضب معاناة كبيرة للطفل أو داخل أسرته. وعادة ما يرتبط الغضب هنا بكلمات سلبية يكررها الطفل: «أنا صفر/لا قيمة لي»، أو تصدر من الوالدين: «أنا أب سيء»، «أنا أم مخطئة في تربية أبنائي» ، لشعورهم بعقدة ذنب وتقصير في تربية أبنائهم.
---------------
أهمية التفريق بين الشعور والسلوك.
---------------
كثيرا ما نسمع عبارة: «هو يغضب.. كالعادة»، «ها هي ترينا غضبها كالعادة». في اللغة اليومية، تُستخدم هذه التعبيرات عموما لوصف السلوكيات أكثر من المشاعر الفعلية. ومع ذلك، فمن المهم التمييز بين السلوك والعاطفة.
في بعض المواقف يكون غضب الطفل ناتجا عن عاطفة قوية، سواء كانت سلبية (إحباط، خوف، غيرة، عدم فهم، إلخ) أو إيجابية (فرح، مفاجأة ، إلخ). في كلتا الحالتين، تكون هذه المشاعر قوية جدا بحيث لا يستطيع الطفل التعامل معها. وهنا يمكن أن تظهر عند الطفل سلوكيات تمثل مشكلة للوالدين، وقد يشعرون بالعجز في مواجهتها.
مثال: تخيل طفلا قضى فترة ما بعد الظهيرة في نزهة عائلية ممتازة في حديقة الحيوانات، وهي نزهة كان ينتظرها من عدة أشهر. ولكن وبمجرد أن خرجوا جميعا من حديقة الحيوانات، وحتى قبل ركوب السيارة، حتى انفجر الطفل في نوبة غضب شديدة غير مفهومة للوالدين الذين وجدوا أنفسهم غير قادرين على فهمها وإدارتها..
في الواقع، في هذه الحالة، فإن الطفل قد غمرته، بكل بساطة، مشاعر خيبة الامل من انتهاء وقت النزهة.. فبعد أن شعر بسعادة كبيرة بهذا النزهة، وجب عليه الآن مواجهة خيبة الأمل المرتبطة بنهاية النزهة والرجوع الى البيت.
أخذ كل من هذه المشاعر المتناقضة في الاعتبار وعدم اختزالها في تعبير بسيط عن »الغضب» يسمح للطفل وللوالدين بفهم أفضل لما يشعر به ويعبر عنه بعد ذلك.
بعبارة أخرى، قد يكون «غضب» الطفل انعكاسا لمشاعر سابقة، يجد الطفل صعوبة في إدارتها. فمن المهم هنا وضع غضب الأطفال في سياقه.
---------------------
فكرة أخيرة : الغضب هو أيضا طريقة خاصة في التواصل
---------------------
نحن نسمع بانتظام كلمة «أزمات» أو «نزوات». وتشير هذه المصطلحات ذات الدلالة السلبية إلى تعبير الطفل عن عدم رضاه من خلال سلوك معين يقوم به أو بكلمات ينطق بها. إذا قمنا بتحليل هذه المواقف، وذلك بوضع أنفسنا في مكان الطفل، فإننا سنرى أن هذا الطفل يعبر عن مشاعر سلبية في مواجهة رفض أو طلب من الكبار. فوظيفة هذا الغضب إذا هي الحصول على شيء ما أو تجنبه.
في هذا النوع من المواقف، يمكننا أن نسأل أنفسنا ما إذا كانت توقعاتنا كآباء مناسبة، وهل أحسنا صياغتها بطريقة يفهمها الطفل حتى يستجيب لها.. وهل كنا نحن أنفسنا سنقبل هذا النوع من الطلب أو الرفض، إذا وضعنا أنفسنا مكان الطفل.
علينا أن ننتبه الى أن بعض الأطفال يسجنون أنفسهم في هذا النمط من التواصل (عن طريق الغضب)، لأنهم غير قادرين على التعبير عن رغباتهم بشكل مختلف. ففي بعض الأحيان، نجد طريقة الاتصال هذه منتشرة في جميع أفراد الأسرة. فقبل السعي لتعديل سلوك الطفل، فمن المهم أيضا أن نسأل أنفسنا، كآباء، كيف نعبر نحن عن رغباتنا أو خلافاتنا تجاه أطفالنا أو أزواجنا أو والدينا. هناك بعض الإباء كثيرا ما يتواصلون مع أبنائهم عن طريق نوبات الغضب التي تنتابهم..
أخيرا، حتى نكون قدوة لأبنائنا، فيجب علينا أن نكيف ردود أفعالنا مع سلوك الرفض الذي يتبعه أبناؤنا ومساعدتهم على التعبير عن مشاعرهم بشكل مختلف..
الدكتور الحبيب العفاس