ليس من وظيفتك الحفاظ على سعادة طفلك. فقط علميه المهارات اللازمة ليكون مستقلا
كثير من الآباء المعاصرين ينغمسون في بذل أقصى جهد للتأكد من سعادة الأبناء وفوزهم، فيحاولون القيام بكل شيء نيابة عنهم، ويسرفون في حمايتهم من أي حزن أو إحباط أو خيبة أمل، أو عاطفة غير إيجابية.
لكن الدكتورة ليز ماثيس -وهي مختصة في علاج الطفل عاطفيا واجتماعيا- تنصح في مقال لها -على موقع "سيكولوجي توداي" (psychologytoday)- بترك الأطفال يخفقون أحيانا، "لأن هذا هو ما يهيئهم للنجاح لاحقا".
لأنهم عندما يصبحون بالغين، نتوقع منهم أن يكونوا قادرين على التكيف مع المجتمع، وتحمل مزيد من المسؤوليات، وإدارة وقتهم، والدفاع عن أنفسهم، وتكوين صداقات، ثم نندهش عندما نكتشف أنهم لا يعرفون كيفية التعامل مع هذا كله. وقد يكون السبب في هذا الإخفاق -بحسب ماثيس- "هو انتقالهم من مرحلة الطفولة إلى مرحلة البلوغ، دون أن يعرفوا كيف يعتمدون على أنفسهم". مما يصيبهم بحالة من الذعر والعزلة والاكتئاب، والحنين الشديد دائما للعودة إلى البيت.
وهو ما يتطلب منا أن نساعد أطفالنا على اكتساب الخبرات والمهارات اللازمة لتنمية الشعور بالاستقلالية، قبل دمجهم في المجتمع، تفاديا للمشاكل النفسية في مرحلة المراهقة.

دعهم يخفقوا ويسقطوا
يقول طبيب الأطفال الدكتور إدوارد غايدوس إنه "يتعين علينا منح الأطفال مساحة مريحة للإخفاق، ثم تمكينهم من المحاولة مرة أخرى، لأن هذا كفيل بأن يُظهر أفضل ما لديهم".
وليس هناك شك في أن أحد أصعب الأمور على الأبوين، هو ترك الأطفال يتعثرون ويفشلون ويرتكبون الأخطاء. ولكن -تقول الدكتورة ماثيس- على الرغم من أن فكرة السماح لأطفالنا بالفشل أو السقوط تبدو مخيفة، وقد تثير مشاعر الذنب أو الخجل للوالدين؛ فإنها "ستمنح الأبناء المهارات التي يحتاجونها عندما يصبحون بالغين، ويتمتعون بصحة جيدة ولديهم القدرة على التكيف".
فالحياة لا تخلو من الإخفاقات، وقد نضع خططا كبرى أحيانا، ونظل نحاول ونفشل، دون أن تسلك الحياة بنا الطريق الذي رسمناه لأنفسنا. لذلك ترى ماثيس أنه "لا بأس أن يمر أطفالنا بهذه التجارب، ويتدربوا عليها، وهم يعيشون تحت سقفنا". وتضيف، "يجب أن ندعهم يفشلون ويسقطون، ويشعرون بكل ما يريدون أن يشعروا به، ثم نتدخل لمسح دموعهم وتهدئتهم، والاستماع إليهم، ولكن دون تقديم حلول جاهزة".
وهو نفس ما أكده إريك فيشر -المؤلف وعالم النفس- من "أن ما يفعله الفشل أو الأخطاء، هو مساعدتنا على تعلم طريقنا في النهاية، فلا أحد في الحياة ينجح بنسبة 100%. لذا، من الجيد ألا يتدخل الآباء دائما، كي لا يظن الأطفال أن عليهم أن يتعلموا كل شيء من والديهم فقط".
فبصفتك أحد الوالدين، يجب أن تمنح طفلك التجارب، وتساعده على التحدث عن مشاعره، وتتركه ليعبر عن رؤيته للموقف بصوت عال. ثم تشجعه على التواصل مع معلمه أو مدربه لمناقشة أية مشكلة واتخاذ قرار بشأنها معا. فهذه هي المهارات الحياتية التي ستنفع أطفالنا على المدى الطويل، عندما يحتاجون إلى التحدث أو التفاوض مع مشرف أو أستاذ، أو التعبير عن مشاعرهم، في وقت يتعذر علينا فيه التواجد بجوارهم لإرشادهم.

سعادتهم ليست وظيفتك
كثير منا يخطط باهتمام لعطلات رائعة، وحفلات أعياد ميلاد، وتجمعات اجتماعية للأطفال، لصالح رسم الابتسامة على وجوههم، وتحقيق السعادة في كل لحظة من حياتهم.
ولكن دون أن ندرك أننا "نعلمهم -عن غير قصد- أنه كلما كان حجمهم أكبر ويملكون من الأشياء أكثر؛ كان ذلك أفضل"، وفق ما تقوله ماثيس، محذرة من "أننا بذلك نجعلهم في حالة انتظار للحصول على السعادة من مصادرها الخارجية، بدلا من تدريبهم على أن الأكبر والأكثر ليس هو الأفضل دائما، وأن السعادة الحقيقية تبدأ من داخلهم".
وقد أفادت دراسة كندية أن "المشاركة الرياضية قد تكون مفيدة للرفاهية العاطفية للأطفال، حيث تجعلهم أقل عرضة للضيق العاطفي، والإصابة بأعراض الاكتئاب خلال فترة المراهقة".
فالانخراط مع الأطفال بجد في مهارة عملية، أو متعة بسيطة في الهواء الطلق للسماح لحواسهم بالتمتع بما تقدمه الطبيعة، وإتاحة الفرصة أمامهم لمراقبة أنفسهم وهم يتقدمون ويحققون هدفا، ومساعدتهم على تقدير قيمة حياتهم، هو السبيل للعثور على السعادة داخل أنفسهم وفي بيئتهم ومع الناس.



