ليلة القدر
ليلة القدر ليلة اختصها الله بسورة سميت باسمها هي "سورة القدر"؛ ذلك بأنها أفضل ليالي الدنيا، حيث إنها ليلة شرّفها الله بنزول القرآن فيها، وجعلها خيرًا من ألف شهر. كما أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد اختصها بمزيد عبادة كما سوف تجد أدناه في هذا المقال من أحاديث صحيحة تبين اجتهاده، عليه الصلاة والسلام في ليلة القدر. ويتطرق هذا المقال كذلك لأحاديث ليلة القدر وفضل ليلة القدر وعلاماتها الصحيحة وتفسير سورة القدر.
جاء في أحد أجوبة الشيخ عبدالعزيز بن باز عن ليلة القدر كلام جامع عن ليلة القدر، وبعض الأحاديث عن ليلة القدر وفضائل ليلة القدر، ومن أجل ذلك رأيت أن أذكر هنا جواب الشيخ منثورًا مع إضافة بعض العناوين والترقيم لتسهيل بيان تلك النقاط على القارئ مع إضافة بعض الأحاديث الصحيحة التي تخدم الموضوع، وزيادة على ذلك أيضًا أورد علامات ليلة القدر الصحيحة، من خلال ما ورد من أحاديث نبوية صحيحة.
فضل ليلة القدر
- العبادة في ليلة القدر لمدة ساعات تعادل العمر، ففيها يُغفر للعبد ما تقدم من ذنبه.
- ليلة القدر هي الليلة التي تنزل فيها القرآن الكريم.
- ليلة القدر هي التي تُقدّر فيها الآجال والأرزاق.
- العبادة والدعاء في ليلة القدر في ثوابها تفوق عبادة ألف شهر.
- ليلة القدر تتنزل فيها الملائكة بأمر من الله حاملين الرحمات والخير والبركة.
- يغفر الله لقائم ليلة القدر ما تقدم من ذنبه، فكا قال رسول الله في حديثه المتفق عليه: "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه."
أدلة ليلة القدر في القرآن الكريم
- ليلة القدر هي أفضل الليالي، وقد أنزل الله فيها القرآن، وأخبر سبحانه أنها خير من ألف شهر، وأنها مباركة، وأنه يفرق فيها كل أمر حكيم، كما قال سبحانه في أول سورة الدخان: حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6) [الدخان:1-6].
- جاء في تفسير الطبري عند تفسير الآية الثالثة من سورة الدخان ترجيحه أن الليلة المذكورة يقصد بها ليلة القدر وليست ليلة النصف من شعبان، كما ذهب بعض العلماء، يقول الطبري، رحمه الله، في تفسيره:
- وقوله (إِنَّا أَنـزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ) أقسم جلّ ثناؤه بهذا الكتاب, أنه أنـزله في ليلة مباركة. واختلف أهل التأويل في تلك الليلة, أيّ ليلة من ليالي السنة هي؟ فقال بعضهم: هي ليلة القدر.
ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (إِنَّا أَنـزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ) : ليلة القدر، ونـزلت صحف إبراهيم في أوّل ليلة من رمضان، ونـزلت التوراة لستّ ليال مضت من رمضان، ونـزل الزَّبور لستّ عشرة مضت من رمضان، ونـزل الإنجيل لثمان عشرة مضت من رمضان، ونـزل الفُرقَان لأربع وعشرين مضت من رمضان. حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور عن معمر عن قتادة في قوله (فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ) قال: هي ليلة القدر. حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله عزّ وجلّ: (إِنَّا أَنـزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) قال: تلك الليلة ليلة القدر. أنـزل الله هذا القرآن من أمّ الكتاب في ليلة القدر. ثم أنـزله على الأنبياء في الليالي والأيام وفي غير ليلة القدر. وقال آخرون: بل هي ليلة النصف من شعبان.
تفسير سورة القدر
قال تعالى
"إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)"
صدق الله العظيم
[سورة القدر:1-5]
وفي ما يلي ذكر تفسير سورة القدر من تفسير الجلالين:
إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1)
"إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ" أَيْ الْقُرْآن جُمْلَة وَاحِدَة مِنْ اللَّوْح الْمَحْفُوظ إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا "فِي ليلة القدر" أَيْ الشَّرَف الْعَظِيم.
وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2)
"وَمَا أَدْرَاك" أَعْلَمَك يَا مُحَمَّد "مَا لَيْلَة الْقَدْر" تَعْظِيم لِشَأْنِهَا وَتَعْجِيب مِنْهُ.
لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)
"لَيْلَة الْقَدْر خَيْر مِنْ أَلْف شَهْر" لَيْسَ فِيهَا ليلة القدر فَالْعَمَل الصَّالِح فِيهَا خَيْر مِنْهُ فِي أَلْف شَهْر لَيْسَتْ فِيهَا.
تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4)
"تَنَزَّل الْمَلَائِكَة" بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ مِنْ الْأَصْل "وَالرُّوح" أَيْ جِبْرِيل "فِيهَا" فِي اللَّيْلَة "بِإِذْنِ رَبّهمْ" بِأَمْرِهِ "مِنْ كُلّ أَمْر" قَضَاهُ اللَّه فِيهَا لِتِلْكَ السَّنَة إِلَى قَابِل وَمِنْ سَبَبِيَّة بِمَعْنَى الْبَاء.
سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)
"سَلَام هِيَ" خَبَر مُقَدَّم وَمُبْتَدَأ "حَتَّى مَطْلَع الْفَجْر" بِفَتْحِ اللَّام وَكَسْرهَا إِلَى وَقْت طُلُوعه. جُعِلَتْ سَلَامًا لِكَثْرَةِ السَّلَام فِيهَا مِنْ الْمَلَائِكَة تَمُرّ بِمُؤْمِنٍ وَلَا بِمُؤْمِنَةٍ إِلَّا سَلَّمَتْ عَلَيْهِ.
أجر العبادة في ليلة القدر
صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه. متفق على صحته. وقيامها يكون بالصلاة والذكر والدعاء وقراءة القرآن وغير ذلك من وجوه الخير. وقد دلت هذه السورة العظيمة أن العمل فيها خير من العمل في ألف شهر مما سواها، وهذا فضل عظيم ورحمة من الله لعباده، فجدير بالمسلمين أن يعظموها وأن يحيوها بالعبادة.
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من يقم ليلة القدر إيماناً واحتسابا غفر لله ما تقدم من ذنبه. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخل رمضان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذا الشهر قد حضركم وفيه ليلة خير من ألف شهر من حرمها فقد حرم الخير كله ولا يحرم خيرها إلا محروم.
متى ليلة القدر؟
أخبر النبي ﷺ أنها في العشر الأواخر من رمضان، وأن أوتار العشر أرجى من غيرها، فقال عليه الصلاة والسلام: التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، التمسوها في كل وتر. وقد دلت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ: أن هذه الليلة متنقلة في العشر، وليست في ليلة معينة منها دائمًا، فقد تكون في ليلة إحدى وعشرين، وقد تكون في ليلة ثلاث وعشرين، وقد تكون في ليلة خمس وعشرين، وقد تكون في ليلة سبع وعشرين وهي أحرى الليالي، وقد تكون في تسع وعشرين، وقد تكون في الأشفاع. فمن قام ليالي العشر كلها إيمانًا واحتسابًا أدرك هذه الليلة بلا شك، وفاز بما وعد الله أهلها.
وعن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: التمسوها في العشر الأواخر من رمضان ليلة القدر في تاسعة تبقى في سابعة تبقى في خامسة تبقى. وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين فقال: خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت وعسى أن يكون خيراً لكم فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة.
وعن لاحق بن حميد وعكرمة قالا: قال عمر رضي الله عنه: من يعلم متى ليلة القدر؟ قالا: فقال ابن عباس رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي في العشر في سبع يمضين، أو سبع يبقين. وعن معاوية رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: التمسوا ليلة القدر ليلة سبع و عشرين. وعن معاوية أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : التمسوا ليلة القدر في آخر ليلة. في خبر أبي بكرة أو في آخر ليلة. وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله إني شيخ كبير عليل يشق علي القيام فأمرني بليلة لعل الله يوفقني فيها لِلَيْلَةِ القدر قال: عليك بالسابعة. وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: ذكرنا ليلة القدر عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: كم مضى من الشهر؟ فقلنا: مضى اثنان وعشرون يوما وبقي ثمان فقال، صلى الله عليه وسلم: لا بل مضى اثنان وعشرون يوما وبقي سبع الشهر تسع وعشرون يوما فالتمسوها الليلة.
علامات ليلة القدر
في ما يلي ذكر بعض الأدِلَّة والعلامات منَ السُّنَّة عن ليلة القدر:
عن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في ليلة القدر: ليلة القدر ليلة سمحة طلقة لا حارة و لا باردة تصبح الشمس صبيحتها ضعيفة حمراء.
وعن زر رضي الله عنه قال: قلت لأبي بن كعب رضي الله عنه أخبرني عن ليلة القدر فإن صاحبنا (يعني بن مسعود) سئل عنها فقال من يقم الحول يصبها قال: رحم الله أبا عبد الرحمن لقد علم أنها في رمضان ولكنه كره أن يتكلوا أو أحب أن لا يتكلوا والله إنها لفي رمضان ليلة سبع وعشرين لا يستثني قال: قلت: يا أبا المنذر أني علمت ذلك قال بالآية التي أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قلت لزر: ما الآية قال تطلع الشمس صبيحة تلك الليلة ليس لها شعاع مثل الطست حتى ترتفع.
وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال في ليلة القدر: "إنها ليلة سابعة أو تاسعة وعشرين إن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى."
وعن جابر (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "إني كنت أُرِيت ليلة القدر ثم نسيتها وهي في العشر الأواخر وهي طلقة بجة لا حارة ولا باردة كأن فيها قمراً يفضح كواكبها لا يخرج شيطانها حتى يخرج فجرها."
كيف كان رسول الله يحيي ليلة القدر؟
يقول الله تعالى : "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ" [الأحزاب:31]، فقد كان النبي ﷺ يخص هذه الليالي بمزيد اجتهاد لا يفعله في العشرين الأول. قالت عائشة رضي الله عنها، كان النبي ﷺ: يجتهد في العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيرها. وقالت: كان إذا دخل العشر أحيا ليله وأيقظ أهله وجد وشدَّ المئزر وكان يعتكف فيها عليه الصلاة والسلام غالبًا.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وجد وشد المئزر.
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان قال نافع وقد أراني عبد الله رضي الله عنه المكان الذي كان يعتكف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد.
وعن عائشة، رضي الله عنها، قالت أيضًا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في العشر الأواخر من رمضان ويقول: تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان.
المصدر: موقع twinkl


