لنعَلمْ أطفالنا... كيف يلعبـــــون !!!
من المتفق علي ان اللعب واللهو عامة هو عنصر اساسي في بناء شخصية الطفل. وليس هذا اكتشافا جديدا بالنسبة الى البشرية حيث يميل الصغار طبيعيا الى اللعب وعدم الاكتراث بمشاغل البالغين وهمومهم. ولنا في تاريخ حضارتنا العربية الاسلامية إشارات كثيرة الى هذه المعاني التربوية، لعل أشهرها ما عبر عنه الجاحظ بقوله "علموا الأطفال وهم يلعبون" . ولكن مع تغير الأوضاع والتطور المتسارع الذي عرفته البشرية في مختلف المجالات التقنية، تغير الكثير في المجالات التربوية والبيداغوجية، كما شملت تلك التغيرات وسائل اللغب لدى الأطفال. فتركت اللعب التي تصنع يدويا وعائليا مكانها للعب أخرى مصنعة وموحدة الأشكال بين الأطفال. ورغم ان تلك التحولات الأولى في مجال وسائل اللعب لدى الطفل قد سهلت كثيرا الحصول على لعب جاهزة وفي المتناول.
إلا ان الأمر تطور تدريجيا لتفقد اللعب التي انتشرت قبل عقود مكانها لصالح لعب من نوع جديد تختلف تماما عن النمط الذي كنا نعرفه سابقا. فاقتحمت التقنيات الرقمية عالم الطفل وأصبحت أغلبية الألعاب تعتمد على الشاشات والبرامج الرقمية والبرمجيات التي تعتمد هندسات معقدة ويشرف على إنجازها مهندسون مختصون تحت راية شركات عالمية كبرى. ومن اللافت للنظر ان بعض هذه اللعب إن لم نقل معظمها موضوع على محامل الكترونية معقدة مثل الهواتف الذكية واللوحات الالكترونية المخصصة للبالغين بما فيهم الآباء والأمهات.
مخاطر ألعاب الهواتف الذكية
تتفق معظم الدراسات المتخصصة في مجال الدراسات النفسية والسلوكية للطفل على التحذير من الأخطار الآنية والمباشرة أو بعيدة المدى على أطفالنا. ومن بين المحاذير التي أوردها العديد من المؤسسات، ما قامت به "الهيئة الألمانية لاختبار السلع" إن ألعاب الهواتف الذكية غير مناسبة للأطفال غالبا.ويرجع سبب ذلك إلى عدة أمور منها حماية البيانات، حيث تجمع العديد من التطبيقات الكثير من البيانات أو تراقب المستخدم مع الوصول إلى الدردشات والرسائل الصوتية التي لا تتلاءم مع الأطفال.
كما أن بعض أخطار هذه الألعاب هو ما يعرف بالمشتريات داخل التطبي (In-App Purchases). مثل الملحقات الرقمية كالأزياء التي يتم شراؤها لشخصيات اللعبة، وهو ما يشكل توظيفا غير أخلاقي للطفل في الإشهار التجاري والتسويق الربحي. ولذلك ينصح الخبراء في هذا المجال بحظر المشتريات داخل التطبيق عبر تحديد كلمة مرور غير معروفة للطفل في المتاجر الالكترونية مثل "غوغل بلاي" وبالنسبة لأجهزة آبل، يمكن تجنب ذلك من خلال تعطيل عمليات الشراء عبر الإعدادات في الوظيفة "وقت الشاشة(Screen Time) . والأخطر من ذلك أن بعض الألعاب قد تعرض محتويات غير مناسبة للأطفال، مثل المشاهد الجنسية أو مشاهد العنف. لذا ينصح بالسماح للطفل باللعب فقط في وضع عدم الاتصال بالإنترنت، متى كان التطبيق يسمح بذلك. وقد نكون النتائج السلبية التي أشرنا إليها ابعد من ذلك وتشمل التاثير النفسي والغقلي السلبي على صحة أبنائنا وهي آثار أثبتتها التجارب والدراسات العلمية والطبية، التي توصلت -مثلا- إلى إثبات الصلة الوطيدة بين شيوع أمراض التوحد وبين الإدمان على الألعاب الافتراضية، أو ظواهر العنف المدرسي غير المسبوقة في معاهدنا ومدارسنا والتي ترجع اسبابها إلى لعب العنف والتقاتل مثل لعبة Free Fire أو لعبة "الحوت الأزرق" أو لعبة "مريم" التي أدت إلى انتحار بعض الأطفال.
لُعب قديمة خسرها أبناؤنا
تشهد سوق لعب الأطفال التقليدية كما ذكرنا، تراجعا من حيث الإقبال، مقارنة بالعقود الماضية، ومن بين أسباب هذا التراجع انتشار أجهزة الألعاب الإلكترونية التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من حياة الأطفال بمختلف أعمارهم، بالإضافة إلى انتشار أسواق بيع وشراء الألعاب عبر الإنترنت، وغلاء أجهزة الألعاب الأصلية مقارنة بالأجهزة المقلدة، مما أدى إلى تراجع سوق مبيعاتها بنسبة كبيرة. وقد شمل هذا التراجع شركات عالمية كبرى تخصصت من قبل في هذا المجال، من ذلك أن سلسلة متاجر الألعاب الأميركية ToysR U. S. قد اعلنت نيتها تصفية فروعها الـ735 في الولايات المتحدة. وتنوي المجموعة التي تواجه صعوبات مالية جمّة إعادة تنظيم أنشطتها في كندا وآسيا وألمانيا والنمسا وسويسرا وتدرس مشاريع بيعها.
ويمثل إغلاق هذه الشركة المتخصصة في لعب الطفال نهاية نمط كامل من التربية السلوكية والبيداغوجية. كما يؤثر ذلك على أجيال من المستهلكين والمئات من صانعي لعب الأطفال الذين باعوا منتجاتهم في فروع السلسلة بالولايات المتحدة مثل شركة ماتيل منتجة الدمية "باربى" وشركة ليغو LEGO الدنماركية ذات الصيت العالمي. مما اضطرها إلى محاولة استعادة البعض من مكانتها، وذلك من خلال إنشاء منصة رقمية تتيح للأطفال تنزيل تصميمات الأشكال التي يمكن تكوينها باستخدام مكعبات ليغو وتبادل صور التصميمات والنماذج مع بعضهم عبر هذه المنصة.
من الثابت أن اللعب التقليدية تنمّي مدارك الطفل وتتيحُ له التعلم التدريجي (من خلال التعامل الحقيقي مع الأبعاد والأحجام والألوان) وتسمح له، بتملك المدارك التي تمتن علاقته بالعالم، كما تجعل الطفل يبني عالمه الخاص من خلال العلاقة الحميمة مع اللعبة، أو عبر الفوائد التربوية المثبتة في التعلم وتنمية المدارك. مقابل القطيعة مع العالم والإنزواء الذي تؤدي اليه الألعاب الإلكترونية. ومن جهة أخرى لا تحتاج اللعب التقليدية إلى تحديد زمني كما هو الحال بالنسبة الى ألعاب الشاشات الذكية ذات المفعول السلبي على النظر والفكر في ذات الوقت. وخلاصة القول إن دورنا تجاه أبنائنا لا يتوقف عند توفير المأكل والملبس والحرص على تعليمهم بل يتطلب مرافقتهم في اوقات فراغهم ولعبهم حتى لا نترك تربيتهم بيد الراغبين في جمع المال بكل الطرق بما فيها التضحية ببراءة ابنائنا.
أولادي



