الطفل الوحيد
نفسية متميزة، ولكنه ليس مشكلا
"أشعر دائما بالإنشغال على "محمد عزيز" ابني الوحيد، وكم من مرة استيقظ ليلا لتفقده دون سبب وادعو له بالسلامة" هكذا صرحت هذه الأم عند طرحنا السؤال حول إشكالية الابن الوحيد،والحقيقة أن هذا التصريح ليس استثناء حيث التقينا بعديد الحالات المشابهة.
فهل يمثل الابن الوحيد فعلا انشغالا لدى والديه وهل هو معرض للازمات بفعل الوحدة او كثرة الاهتمام والمبالغة في دلاله؟
لا يمكننا ان ننكر ان الابن الوحيد في العائلة يعيش ظروفا لا تشبه ظروف الأطفال الآخرين، فهو لا يعرف معنى التنافس والمزاحمة من طرف إخوة آخرين ولا يشاركه أحد في اهتمام والديه ولا في قطع الحلوى أو نصيبه الوافر من كل شيء بحيث يكون ملكا مدللا يمكنه ان يحصل على كل ما تستطيع العائلة توفيره دون أي مزاحمة أو تقاسم. ورغم ان الابن الوحيد قد لا يكون في عديد الحالات قرارا من قبل الوالدين بل تفرضه حالات خاصة كثيرة، مثل الضغوط الاقتصادية أو الظروف الصحية أو مشكلات أخرى تخص الأسرة، فهو في كل الحالات قرار صعب وعليهم أن يتحملوا استتباعاته سواء على حياتهما ومشاعرهما أو على نفسية الطفل الذي قررا الاكتفاء به.
قد يكون متفوقا:
لقد اهتم علماء النفس منذ فترات طويلة بدراسة نفسية الطفل الوحيد، وقد كان من أشهر من سبق إلى ذلك العالم النفس الأميركي "ستانلي هول" في بداية القرن الماضي، الذي اعتبر أن الطفل الواحد يتميز بصفات سيئة من أهمها أنه أناني وعدواني، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، فاعتبر أن الطفل الوحيد "يُمثل مرضا في حد ذاته". ولكن هذا الرأي الذي يبدو مبالغا فيه الى حد بعيد قد تمت مراجعته من قبل عديد المختصين منذ سبعينات القرن العشرين، حيث بدأ الحديث عن أن كل ما قيل عن الطفل الواحد لمتلك الآراء لم تكن مبنية على دراسات علمية يمكن اعتمادها. فعلى أولياء الطفل الوحدي ان لا يقلقوا على طفلهم الوحيد لأن الامر مرتبط بعديد العوامل المؤثرة وأهمها تربيتهم لطفلهم ووعيهم بتلك الخصوصية. فضلا عن أن خروج الطفل المبكر الى التواصل مع غيره من الاطفال سواء في المحاضن أو دور الاطفال او العائلة الموسّعة سيقلل من التاثير السلبي الذي يمكن ان يؤثر على نفسيته وسلوكه.
كما أن وجود الطفل منفردا وسط أبويه يجعلهم أكثر حرصا على العناية به باعتباره فرصتهم الفريدة للنجاح في تنشئته وهو ما يساعده على النمو الفكري واللغوي بشكل أسرع بسبب اقترابه من البالغين بشكل عام ومن أبويه بصورة خاصة. ويرى المختصون في طب نفس الطفل ان الطفل الوحيد عادة ما يكون قادرا على الإنجاز أكثر من الطفل الذي يحيط به إخوة آخرون، كما أنه يسعى إلى أداء عماله على النحو الأمثل ويتكيف مع الشعور بالوحدة ويكون أكثر استقلالية، ويميل إلى القراءة والفنون والأنشطة الأخرى التي يستطيع ممارستها بمفرده.ويؤد عالم النفس في إحدى أعرق الجامعات المختصة في سيكوروجيا الطفل، وهو صاحب الدراسات الكثيرة بيكهاردت أن لدى هؤلاء الأطفال قدرا أعلى من الثقة بالنفس، يعود إلى حياتهم بين الكبار وشعورهم بأنهم مثلهم. كما أنهم فيالاقسام الدراسية يُبدون قدرة أكبر على التفاعل مع المعلمين بأريحية أكثر من الأطفال الذي يعيشون مع أشقائهم وترهبهم قليلا سلطة الكبار.
ويرى "بيكهاردت" أيضا إن الطفل الواحد هو القائد غالبا في المجموعات في فصول الدراسة، فهو لا يريد أن يضع الآخرون قيودا عليه، وهو قادر على قيادة المجموعة والارتقاء بأدائها. وقد تبنّت الصين سياسة إنجاب الطفل الواحد في كل أسرة منذ عام 1979 حتى عام 2015، وبعد مرور عشر سنوات على تطبيق هذه السياسة نشرت جامعة شونجينج بعض المزايا التي يتمتع بها الطفل الواحد، من بينها قدرته على التكيف وتنظيم مناطق الدماغ لديه بشكل مختلف مما يسمح له بالاستفادة بقدراته، كما أنه يكون متفوقا في الغالب.ولكن مختصين آخرين مثل توني فالبو، الباحث بجامعة تكساس، يفسرون مظاهر التفوق تلك بأن الطفل الواحد يجد الإمكانات لإلحاقه بأفضل الجامعات والإنفاق على دراسته؛ وهو ما لا يتوفر للأطفال في الأُسر الأكثر عددا، إذ يصعب توفير هذا المستوى لكل الأطفال، أي أن الأمر يعود للإمكانيات وليس إلى تميز الطفل الوحيد.

لكنه يحتاج إلى الإحاطة لأنه يفتقد إلى إخوة:
ورغم ما يمكن ان يتوفر للطفل الوحيد من الاهتمام والإمكانيات المادية فإنه يظل بحاجة إلى إخوة يؤنسون وحدته ويتقاسم معهم العائلة، وهي حاجة نفسية ومعنوية أكيدة وذات مفعول إيجابي متى توفرت. فاختلاط الطفل الواحد بأقرانه في الحضانة أو غيرها من الأنشطة لا يعوض غياب الأشقاء، إذ غالبا ما يخضع هذا الاحتكاك لإشراف الكبار -كما في دور الحضانة مثلا- وبالتالي يأخذ التفاعل بينهم شكلا مختلفا، لذلك من الأفضل مشاركة الطفل في رحلات مع أطفال آخرين لكي يحصل على مشاركة بين الأطفال تشبه المشاركة بين الأشقاء. وتؤكد المراقبة السلوكية للطفل الوحيد أنه كتعويض عن غياب الأشقاء إلى مصاحبة أصدقاء خياليين، لكن الأصدقاء الخياليين ليسوا حصرا على الطفل الوحيد، فالأطفال بشكل عام يتخيلون أصدقاء لمواجهة الشعور بالوحدة أو الخوف، وغالبا ما يتخيل الأطفال أصدقاء ليسوا موجودين في مرحلة ما من طفولتهم المبكرة.
وعموما ننصح والدي الطفل الوحيد بعدد من الحلول للإحاطة بطفلهم حتى تجنبه الوحدة وافتقاد الأشقاء:
- يجب أن تفتح الأسرة أبوابها على العالم الخارجي وتدع له الفرصة للمشاركة في الأنشطة الرياضية والاجتماعية والالتحاق بالمخيمات الصيفية مثلا، لتسمح للطفل بتكوين الصداقات.
- الحرص على انضمامه لمجموعات يصاحب فيها أقرانا من مثل عمره، وتجربة الشعور بالمشاركة مع الآخرين وانتظار دوره بينهم، فإحدى مشكلات هذا الطفل هي ملازمة الكبار.
- تجنب الضغط عليه، كونه طفلك الوحيد فأنت تنتظر منه الكثير، لذا توخّى الحذر بشأن التوقعات المنتظرة منه ولا تعرّضه لمثل هذه الضغوط حتى لا يؤدي ذلك إلى فقدان الثقة بالنفس أو السعي إلى الكمال، امنحه الفرصة للحديث عن قدراته وأحلامه، ولا تطلب منه أكثر مما يفوق القدرات الطبيعية لمن هم في مثل عمره.
- يجب مواجهة شعوره الدائم بالحماية والاحتفاء من والديه والآخرين، وليس المقصود بذلك أن نعرضه للعقاب، لكن أن نضع قواعد وحدودا ونشدد على التزامه بها، بحيث يدرك أنه ليس مركز الكون، ويتعلم احترام الآخرين.
- توعيته باستقلاله، فلا نسعى لحمايته من كل المشكلات التي تواجهه بما يكون عائقا أمام قدرته على اتخاذ القرار، ولنترك له الفرصة لحل مشكلاته الخاصة طالما كان قادرا، ليشعر بالاستقلالية والثقة في النفس.
- علينا ان لا نبالغ في العطاء، فرغبة الوالدين في إسعاد ابنهم قد تدفع لمنحه الكثير، وغالبا ما يجد الاولياء صعوبة في رفض طلبات الطفل ، لكن ما ينصح به الخبراء هو الاكتفاء بتلبية الضروري منها، ورفض الأخرى، ووضع حدود للطفل وتحديد مهام يلتزم بها.


